العقل الأمريكي اتجاه العولمة

مطلع القرن الماضي الماضي انتعشت أطروحة فلسفية تنبئ بسلام مستدام من خلال تشابك المصالح المالية والاقتصادية للدول. ستصبح الحرب من اللامفكر فيه بالنظر إلى كارثية نتائجها على مصالح الدول والشعوب المرتبطة ببعضها اقتصادياً. هذا التبشير بالسوق الدولية بوصفها رسول السلام الأخير سقط بعد سنوات قليلة حيث انفجرت الحرب العالمية الأولى من داخل أولى نسخ العولمة، وفي مركز السوق الدولية. تجري أمور التجارة الدولية على هذا النحو الذي تخيّله ميشائيل ليند، الأستاذ في جامعة تيكساس: الدولة المهيمنة على السوق الدولية تمارس التبشير بالتجارة الحرة عبر الحدود. ذلك ما فعلته بريطانيا في أربعينيات القرن التاسع عشر، وما فعلته أميركا في أربعينيات القرن العشرين، وما يُتوقع أن تفعله الصين في أربعينيات هذا القرن. فالدولة المتقدمة صناعياً ترى أن بضائعها قادرة على إخراج الآخرين من السوق، وتحويل منافسيها إلى مجرّد مصادر للمواد الخام ومواد صناعية منخفضة القيمة. في خمسينيات القرن التاسع عشر تفاخر الاقتصادي البريطاني ستانلي جيفونس قائلاً "جعلت التجارة غير المقيّدة من سائر العالم روافد لنا". حين لا تجري الأمور على هذا النحو تنسحب القوة التبشيرية إلى الوراء وتضع الحواجز أمام المنافسين.

 

 تستمر التجارة العالمية في التدفق طالما توفر لها أمران: قوة اقتصادية عظمى تبشّر بها وتحرسها، وسوق أجنبية غير منافسة. تعلم كل دولة أن استقرار شركاتها يعني بالضرورة استقرار اقتصادها، وعلى العولمة الاقتصادية أن تضمن استمرار تدفق البضائع من الأعلى إلى الأسفل. العولمة، داخل هذه الصورة، تمضي في صورة شلال وليس دائرة. ما إن تأكدت الشركات الأميركية أنها لم تعد قادرة على منافسة البضائع الصينية من جهة، والواردات عالية الجودة القادمة من أوروبا، حتى قرّر صانع السياسات التراجع إلى الوراء ونصب الحواجز. نحواً من ذلك تفعل أوروبا أيضاً تجاه منافسين أقوياء من الشرق وأقصى الغرب. تدريجياً ينتقل العالم من "التدفق الحر للبضائع والأفراد والأفكار" إلى العودة الحرّة للحمائية، التعريفات، والحدود. أي إنه يغادر الفكرة الجوهرية للعولمة، تلك الظاهرة التي قيل إنها طبيعية مثل الأنهار والرياح ولا يمكن إيقافها، بعد أن صارت لعبة في اتجاهين. 

 

القرية العالمية لم تصبح اليوتوبيا الموعودة، بل مكاناً ضيقاً مليئاً بالإشاعات والكراهية وأنصاف الحقائق، كما قال أحدهم. داخل تلك القرية كانت أفغانستان أبعد ما تكون عن أميركا، وكانت أميركا أقرب ما تكون بالنسبة لأفغانستان. حاولت أميركا عولمة الكوكب ولكنها لم تعولم نفسها. وبحسب تقرير للجنة الأميركية الخاصة بدراسة ما حدث في 11 سبتمبر 2001 "كان الأفغان معولمين أكثر منّا نحن الأميركان". كانوا يعرفون أين هي أميركا، ولا تعرف أميركا أين هي أفغانستان. لم تكن حركة طالبان في خيال بوش الابن في تسعينات القرن الماضي، وقبل أن يصبح رئيساً، سوى واحدة من الفرق الموسيقية الحديثة التي لا يتابعها. ولم يصدق الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن فنلندا دولة مستقلة، وليست جزءاً من روسيا، إلا حين وضع مساعدوه خارطة ملونة للعالم على سطح مكتبه. ويسخر فيلم "الأيام الثلاثة الأخيرة" من أميركا على لسان رجل عليم بالسجون ينصح البطل قائلاً "احمل زوجتك واهرب إلى بلد لا تعرف عنه أميركا شيئاً، إلى اليمن". عرفت أميركا مكاناً في اليمن يصلح لتزويد المدمرة USS Cole بالوقود. غير أن الزورق الانتحاري الذي أصابها وقتل عدداً من بحاريها في أكتوبر من العام 2000 دلّ على أن اليمنيين عرفوا عن أميركا أكثر مما تعرفه هي عنهم. كمثل الأفغان، كان اليمنيون قد أصبحوا أكثر عولمة من الأميركيين. من داخل القرية العالمية شاهد العالم أميركا وعرف عنها كل شيء، ولم تر أميركا في تلك القرية سوى القواعد العسكرية وموانئ التزود بالوقود. كان هناك فقط أميركا، سقف العالم وقانونه الجديد، وكان العالم "روافد لها"، كما قالت بريطانيا لنفسها في القرن التاسع عشر.

 

مع نهاية التسعينيات كانت المنتجات الأميركية، الثقافية والمادية، تجتاج العالم، وتحكمت سي إن إن، التي ولدت في العام 1980، بالرأي العام العالمي. وبالموازاة بلغت القوات الأميركية المنتشرة خارج حدودها زهاء المائتي ألف جندي، ما يعادل حجم الجيش الروماني خارج حدود الإمبراطورية في لحظتها القصوى، كما يلاحظ بريجينسكي في "لعبة الشطرنج". الجيوش الضخمة الموزعة على مئات القواعد العسكرية على الأرض، والسفن الحربية المتمركزة على 95% من بحار العالم، أريد لها أن تحمي العولمة، تلك الظاهرة التي قال عنها القادة والمنظرون الغربيون إنها طبيعية وتلقائية كالرياح والأنهار، وأنها تمضي من تلقاء نفسها.  

 

في العقل الأميركي كانت العولمة دائماً طريقاً من اتجاه واحد. وحين يأتي الآخرون من الطريق نفسه، قاصدين الأسواق الأميركية، فإن العولمة تصير إلى خطر وجودي، إلى بهيموث مفترس يستدعي حشد كل الطاقات لإيقافه خارج الحدود.