في دفاتر التاريخ، هناك أيامٌ تزن قروناً. وفي دفاتر شرقنا، يبدو أن اثني عشر يوماً كانت كفيلة بمسح حبر قديم وكتابة فصل جديد. إيران، التي ارتدت عباءة كسرى وحلمت بإمبراطورية تمتد من طهران إلى شواطئ بيروت، وقفت فجأة أمام مرآة الواقع الصقيل، فرأت شروخاً عميقة في جدارٍ حسبته من صخر الأساطير.
لم تكن الضربات الإسرائيلية الأخيرة مجرد عملية عسكرية عابرة، بل كانت أشبه بكشف الغطاء عن بئر عميقة. فجأة، ظهر العمق الإيراني، الذي كان يومًا سر الأسرار، كتاباً مفتوحاً لمن يملك شفرة القراءة. بدا أن العدو لا يملك الشفرة فحسب، بل يمتلك أيضاً نسخة من مفاتيح القلعة.
وكما تسقط أحجار الدومينو، جاء سقوط دمشق ليهوي بالعمود الفقري للمشروع الإيراني. لم يكن سقوط نظام الأسد مجرد خسارة حليف في لعبة الشطرنج الإقليمية، بل كان تبخر ميراث كامل. ثلاثون عاماً من المال والرجال والسياسة ذابت تحت شمس دمشق الجديدة. أحمد الشرع، القادم من رماد العاصمة الأموية، لم يحرر مدينة فقط، بل حرر قراراً وطنياً، وحرم الإمبراطورية من رئتها الشامية.
لكن الإمبراطوريات، حتى في احتضارها، تحتفظ ببعض بريقها القديم. في بغداد لا تزال هناك أصداء صوتها، وفي أروقة السياسة رجال يدينون بالولاء، وإن كان ولاء الأمس غير ولاء اليوم. ترسانتها من الصواريخ لا تزال تثير قلق الملاحين والجيران. أما حكاية الحوثي في اليمن، فقد اتضح أنها ورقة لإزعاج العالم، لا لهزيمته. هي حجر صغير في حذاء عملاق؛ يؤلم ويشغل، لكنه لا يقتل.
المأساة الحقيقية أن الصدع الأكبر ليس على الخارطة، بل في روح الناس. في شوارع طهران وأصفهان، يسأل المواطن المنهك: أين ذهب النفط؟ وكيف تحول حلم القوة إلى كابوس الفقر؟ هذا السؤال، الذي كان يُهمس بالأمس، أصبح اليوم صرخة.
تجد طهران نفسها أمام خيارات لا يُحسد عليها. إما حرب لا أحد يعرف كيف تنتهي، أو التلويح بقنبلة نووية قد تكون شرارة في حقل بارود. أو الانكفاء على الذات، وهو أصعب أنواع الهزائم على نفسية الإمبراطوريات. الخيار الرابع هو الجلوس إلى طاولة تفاوض، حيث لا تختار فيها شروطك، بل تُملّى عليك.
والعالم يراقب، كلٌ بعين مصلحته. موسكو، وريثة البلاط البيزنطي، تتقن فن الانتظار. بكين، التنين الصبور، تبني طريق الحرير وتتجنب دروب الحرب. واشنطن، الإمبراطورية البعيدة، تضبط إيقاع العقوبات عن بعد. أما الجيران، الذين ذاقوا مرارة التدخلات، فيراقبون بصمت، ويستعدون لشرق أوسط بقواعد لعب مختلفة.
قد تنهض إيران، وقد تلملم جراحها، فالتاريخ مليء بالمفاجآت. لكن المؤكد أن شمس الهيمنة السهلة قد غربت. لم يعد السؤال هل ستتغير إيران، بل كيف سيكون شكلها بعد أن تخلع عنها عباءة كسرى، ومن سيدفع فاتورة هذا التحول. التاريخ لا ينتظر أحداً، وطهران تسمع اليوم دقات ساعتها بوضوح لم تعهده من قبل.
تابع المجهر نت على X