الاثنين 15/أبريل/2024
عاجلعاجل

هوامير الذهب الأسود.. أين تذهب حصة تعز من المشتقات النفطية؟ (تحقيق خاص)

هوامير الذهب الأسود.. أين تذهب حصة تعز من المشتقات النفطية؟ (تحقيق خاص)

وسط التلاعب بأسعار المشتقات النفطية في السوق السوداء من قبل شبكة التجار والسماسرة في محافظة تعز، ظهرت إلى السطح خلافات كثيرة حول حصة المحافظة وفي مقدمتها الصراع الحاصل بين السلطة المحلية وفرع شركة النفط.

فبدلاً من أن يقوم المحافظ نبيل شمسان بتسهيل مهام فرع شركة النفط بالمحافظة، وقف لأكثر من شهرين حجر عثرة لمنعها من ممارسة عملها في تموين المحافظة بالمشتقات النفطية ما جعل رئيس الحكومة يصدر تعميما للمحافظين بعدم التدخل باختصاصات الشركة، عطفاً على شكوى مقدمة من وزير النفط.

كما أن هناك تفاصيل كثيرة توجه أنظارنا نحو مصير حصة تعز من المشتقات النفطية طوال فترة الحصار المستمر على المدينة، فرض فيه تجار السوق السوداء حصارا إضافيا على المحافظة التي تشهد كثافة سكانية كبيرة.

ولعل أهم ما ينبغي كشفه؛ هو من المستفيد من استمرار معاناة أبناء تعز وبقاء المحافظة سوقا سوداء للمشتقات النفطية على حساب فرع شركة النفط، في صفقات فساد تحدث على مرأى ومسمع من السلطة المحلية، وفي مصلحة من عدم تفعيل دور الرقابة والمحاسبة في هذا الجانب!؟

 

سوق سوداء

 

تقدر حصة محافظة تعز من المشتقات النفطية الموزعة على المحطات النفطية بحوالي خمسة مليون لتر سنوياً، وظلت منذ العام 2022م تمنح لتجار السوق السوداء بتصاريح رسمية من السلطة المحلية بالمحافظة التي يرأسها المحافظ شمسان.

وكلف المحافظ يومها لجنة للإشراف على حصة المحافظة بعيداً عن شركة النفط، حيث كانت تباع في عدن ويتم نقلها إلى منطقة الحوبان التي تسيطر عليها جماعة الحوثيين عبر شركة وهمية, وفقاً لمصدر في السلطة المحلية.

وأضاف المصدر الذي كان مطلعا على الصفقة أن الشركة حققت مبيعات تقدر بأكثر من 5 مليار ريال من العملة القديمة من مبيعات حصة المحافظة، ولم تصدر اللجنة المكلف بالإشراف عليها أي توضيح حول مصير حصة المحافظة من المشتقات النفطية أو آلية توزيعها.

وفي أكتوبر/ تشرين الأول من العام الماضي، تعاقد فرع شركة النفط بمحافظة تعز مع شركة العكفي للخدمات النفطية كناقل لحصة المحافظة وفقاً لعقد الاتفاق الذي حصل "المجهر" على نسخة منه.

لكن محافظ تعز اعترض على ذلك معتبراً أن العقد الذي تم بين شركة النفط والشركة الناقل مخالفاً لقانون المناقصات، فيما أوضح المصدر في السلطة المحلية أن اعتراض المحافظ كان على الناقل وطالب استبداله بآخر مقرب منه.

 

 

مخطط متكامل

 

يجرنا الخلاف الحاصل بين السلطة المحلية وفرع شركة النفط بتعز إلى البحث عن أسباب تمسك المحافظ شمسان بفرض شركة ياس للخدمات البترولية ناقلاً لحصة المحافظة.

وقبل ذلك، لا بد أن نشير إلى أن شركة ياس مرتبطة بشكل مباشر مع رجل أعمال من أبناء محافظة إب يدعى صامد عياش، وله حضور في تجارة النفط والتعويم عبر مديريات الساحل ومهمته توفير القاطرات ومعدات نقل المشتقات النفطية.

وجاء رجل الأعمال صامد عياش إلى تعز بواسطة قائد قوات النجدة محمد مهيوب قادماً من مدينة المخا، بهدف البدء بتأسيس مجمع نفطي تحت مسمى "مجمع المحطات النفطية لمحافظة تعز" ليتم منها التوزيع على المحطات الرسمية بالمحافظة.

ومن الواضح أن المحافظ شمسان كان يخطط لفرض هذه الشركة كمتعهد لنقل المشتقات النفطية إلى منطقة الكدحة وبالتالي تفعيل الخط الرئيسي الحالي بين تعز ومديريات الساحل عبر إمداد المحافظة بالمشتقات النفطية وغيرها من البضائع التجارية.

فريق "المجهر" تحقق من الأمر وتوصل إلى مصدر في السلطة المحلية والذي بدوره أكد أن المخطط في مرحلته الأولى كان يهدف لاستلام مخصص كهرباء تعز والتنسيق مع المعنيين لاستلام مخصص الجيش والأمن، وصولاً إلى استلام حصة تعز بالكامل من المشتقات النفطية ونقلها إلى داخل المحافظة.

ويبين المصدر أن التخطيط لذلك جرى تحت مبرر التخلص من سيطرة الصبيحة على سوق تعز النفطي عبر خط طور الباحة وهيجة العبد. لكن يبقى المخطط بمثابة غلاف للحفاظ على تجارة السوق السوداء بعيداً عن إدارة شركة النفط.

وفي الواقع، حتى وإن بدا الأمر بمظهر مجمع نفطي استثماري فإنه يثير جملة من التكهنات عن كونه نقطة البداية في حلقة متواصلة من مخطط اقتصادي وسياسي وعسكري متكامل.

 

شراء المواقف

 

يبدو أن التاجر صامد استطاع اقناع السلطة المحلية بإيجاد مكان مناسب للمجمع النفطي على طول خط الكدحة، بعد التنسيق مع مدير مكتب محافظ تعز علي قاسم وعضو اللجنة الدائمة للمؤتمر الشعبي العام عبدالباري البركاني، إلى جانب ربط القيادة العسكرية بالأمر عبر قائد قوات النجدة.

تشير المعلومات التي توصل إليها "المجهر" عبر أحد المقربين من التاجر صامد إلى أنه عقد لقاءات كثيرة مع ممثلي السلطة المحلية، ليتفق الطرفان في النهاية على أن يكون المجمع في مقر ملعب نادي سهام الرياضي في منطقة عكاد بعزلة الشراجة التابعة إدارياً لجبل حبشي، كما حصل اتفاق شفهي مع القيادة العسكرية على ذلك.

وقبل يوم واحد من البدء بالمخطط، قام المحافظ شمسان باستدعاء مدير مديرية جبل حبشي فارس المليكي لإشعاره بذلك من أجل تسهيل العمل وعدم الاعتراض عليه بحجة أن المشروع يأتي في الصالح العام وسيتم اعتماد نسبة من عائداته للمديرية.

ووفق مصدر السلطة المحلية فإن صامد قام عقب الاتفاق بتوزيع مبالغ مالية لعدد من قيادات السلطة المحلية والقيادات العسكرية والأمنية بمحافظة تعز بلغت "300 مليون ريال"، في صورة تبدو كنوع من شراء المواقف.

وأضاف المصدر لـ"المجهر" أن المحافظ نبيل شمسان كان له نصيب الأسد منها وهو مبلغ 60 مليون ريال، فيما توزع باقي المبلغ على كل من مدير مكتبه علي قاسم وعضو اللجنة الدائمة للمؤتمر عبدالباري البركاني وقائد قوات النجدة محمد مهيوب ومستشار محور تعز عبده فرحان سالم وقائد المنطقة الأمنية بالكدحة ، وآخرون.

 

ضغط شعبي

 

في الخامس من يناير/ كانون ثاني الماضي، بدأ الحفر داخل أرضية ملعب نادي السهام لوضع الخزانات النفطية وبحماية من أفراد تابعيين للمنطقة الأمنية.

فريق "المجهر" التقى مصدر محلي من أبناء المنطقة والذي بدوره أكد أن فريق العمل قام ببث شائعات بين أبناء المنطقة أن العمل يجري لتجهيز موقع عسكري مؤقت للتدريب.

وقال المصدر إن " الحفر تم تجهيزه في 48 ساعة ومساء اليوم الأول وصلت 6 خزانات نفطية عملاقة تقدر سعة الواحد منها ما بين 45 ألف إلى 60 ألف لتر، على أن تصل 5 خزانات أخرى في المرحلة الثانية".

وقد أثار هذا العمل سخط الرأي العام في المدينة وأظهرت وثيقة حصل "المجهر" على نسخة منها قيام إدارة نادي سهام الرياضي برفع شكوى إلى مكتب الشباب والرياضة بالمحافظة والذي بدوره رفع برقية للمحافظ حول ما تم استحداثه داخل الملعب.

وفي بيان لها، نفت شركة النفط عبر فرعها بتعز صلتها بما حدث داخل الملعب من أعمال حفر ووضع خزانات نفطية، بعد إشاعات ظهرت على مواقع التواصل الاجتماعي تتهم الشركة بالوقوف وراء ذلك، مهيبة بالسلطة المحلية التحرك لوقف هذا العمل.

وعلى وقع كل تلك الضغوط وجه محافظ تعز نبيل شمسان، مدير عام شرطة تعز ومدير مديرية جبل حبشي بإيقاف الاستحداثات في الملعب وإحالة المعتدين إلى جهات الاختصاص والرفع بالنتائج.

ومن الواضح أن هذه التعليمات الصارمة كانت للتغطية على المخطط المبرم مع التاجر عياش، خصوصاً أنها جاءت عقب حملة إعلامية استهدفت المحافظ بصفته المسؤول الأول في المحافظة.

وكنتيجة طبيعة لكل هذه الضغوط حاول المقاول صامد احتوائها وطلب مهلة لمدة أسبوعين لرفع خزانات النفط من الملعب، ويبدو أن هذه المدة الزمنية كانت للبحث عن وساطات قبلية لتهدئة الشارع وتمرير المخطط أو إيجاد مكان بديل لنقل الخزانات إليه.

وبالفعل تدخل الشيخ سيف فارع وقام بتوقيف أرض واسعة في منطقة الكدحة في الحد الفاصل بين مديرتي جبل حبشي والمعافر، وجرى نقل الخزانات إليها في نية للسير قدماً بتنفيذ المخطط.

 

مصير المخطط

 

عاد العمل على المخطط في المكان الجديد لإنشاء المحطة في الوقت الذي كانت شركة النفط تخوض معركة مؤسسية مع قيادة السلطة المحلية بالمحافظة من أجل استعادة مهامها.

حيث أن تموين السوق المحلية من اختصاص شركة النفط بموجب قرار انشاء الشركة رقم (111) لسنة 1990م وبموجب قرار رئيس مجلس الوزراء رقم (244) لسنة 2010م بشأن لائحة مخالفات تسويق المواد البترولية ومكافحة تهريبها.

وقام وزير النفط والمعادن د. سعيد الشامسي، برفع مذكرة لرئيس الوزراء اطلع "المجهر" على نسخة منها، تضمنت عدداً من الصعوبات والمعوقات التي تواجه سير عمل شركة النفط وفي مقدمتها تدخلات المحافظين في مهامها وعرقلة أعمالها.

وهو الأمر الذي جعل رئيس الوزراء السابق د. معين عبدالملك، يصدر تعميما لمحافظي المحافظات نهاية العام الماضي، نص على عدم التدخل في أعمال شركة النفط خلافاً للتشريعات المنظمة لطبيعة العلاقة بين السلطات المحلية وفروع الشركة وموجهاً بإلغاء أي إجراءات مخالفة لذلك.

وقبل أيام وافق المحافظ نبيل شمسان على تموين محافظة تعز بالمشتقات النفطية من قبل شركة النفط طبقاً للعقد الموقع مع الناقل المتمثل بشركة العكف للخدمات النفطية.

أحد المطلعين على الاتفاق قال لـ"المجهر" إن "المحافظ اشترط على الشركة الأخرى دفع مبلغ 800 ألف ريال سعودي مقابل التنازل عن العقد الموقع مع شركة ياس للخدمات البترولية".

ومع موافقة المحافظ على إزاحة التاجر صامد عن المشهد، تحضر كثير من علامات الاستفهام عن مصير المخطط لإنشاء مجمع محطات نفطية المتفق عليه مع مسؤولي السلطة المحلية والقيادات العسكرية والأمنية بالمحافظة وشراء مواقفهم بمبالغ مالية.

وخصوصاً أن هناك حديث يدور حول أن سماسرة وتجار مقربون من المحافظ اشترطوا على فرع شركة النفط دفع خسائر العقد السابق مع شركة ياس وهو مبلغ 300 مليون ريال يمني مقابل السماح للشركة بتموين المحافظة بالمشتقات النفطية.

 

 

صفقات فساد

 

ظلت حصة تعز من المشتقات النفطية تأتي إلى منطقة المخا الساحلية لأكثر من سنتين، دون الإفصاح عن الجهة المخولة باستلامها والتصرف بها وكيفية توزيعها ثم وهو الأهم أين تذهب إيراداتها؟

وما حدث مؤخراً يعد بمثابة خيط لتتبع تفاصيل الحقيقة، فإلى جانب الصراع الحاصل بين السلطة المحلية بتعز وفرع شركة النفط نشب خلاف بين مدير مديرية المخا السابق باسم الزريقي والمحافظ نبيل شمسان حول طريقة استلام حصة المحافظة من المشتقات النفطية والتصرف بها.

وبحسب مصدر مطلع على ملف حصة تعز من المشتقات النفطية فإن الأمر تطور إلى تحدي بينهما ما دفع المحافظ إلى تغييره ضمن ثلاثة مدراء عموم قام بتغييرهم تحت مبرر عملية تدوير وظيفي، لكن الأمر في حقيقته كان يتعلق حول الصراع على حصة تعز وقام شمسان بهذه التغييرات للتغطية على صفقات فساد مع تجار السوق السوداء.

وذكر المصدر لـ"المجهر" أن حصة تعز من المشتقات النفطية ظلت لأكثر من أربع سنوات تصرف بنظر السلطة المحلية بعيداً عن إدارة شركة النفط، ويتم بيعها في عدن أو المخا عبر السوق السوداء بينما كانت المحافظة في أمس الحاجة لها.

وأضاف "بعض الفترات كان يتم بيعها في عدن، وخلال العامين الماضيين كانت الحصة تصرف بنظر مدير مديرية المخا بإشراف من المحافظ ويتم التصرف بها وبيعها بالتنسيق مع التجار والسماسرة المتواجدين في الساحل كسوق سوداء".

وأوضح المصدر أن المحافظ قام ببيع كمية تجاوزت 5 مليون لتر خلال العام 2022م في السوق السوداء عبر منح تصاريح رسمية مخالفة للقانون غير مبالي بالمعاناة التي تلحق بأبناء تعز جراء ذلك.

كما أشار المصدر في السلطة المحلية إلى أن حصة محافظة تعز من المشتقات النفطية بلغت خلال تلك الفترة أكثر من مليون لتر شهريا من المنحة السعودية، وهي تشمل الكمية التي يتم توزيعها على المحطات ومخصص محطة الكهرباء الحكومية ومخصصات أخرى يتم الاستحواذ عليها.

 

صراع بين ناقلين

 

يقدر مراقبون وخبراء محليون أن أسعار المشتقات النفطية من المفترض أن تكون بفارق 4 آلاف ريال يمني عن كل 20 لتر في حال جرى تموين المحافظة عبر شركة النفط.

فنلاحظ أن المقترح الذي تقدم به رجل الأعمال صامد عبر شركة ياس وحصل "المجهر" على نسخة منه، كان يتضمن نقل حصة المحافظة عبر الخط الساحلي إلى المخا ومنها إلى منطقة الكدحة مقابل نسبة قدرها 130 ريال للتر الواحد.

وبعد موافقة المحافظ شمسان بهذا الاتفاق بقيَ على التاجر صامد أن يحصل على اعتمادات الجيش والأمن المخصصة لتعز وكان قد تم اتفاق مبدئي بهذا الشأن.

لكن شركة النفط وقفت بالمرصاد من أجل الحصول على تموين المحافظة بالمشتقات النفطية، وأبرمت اتفاق مع شركة العكف التابعة لرجل أعمال من محافظة الضالع والتي التزمت بموجبه توفير حصة المحافظة بعيداً عن اعتمادات الجيش والأمن.

ونص الاتفاق، الذي حصل "المجهر" على نسخة منه، بأن يتم توصيل كميات المشتقات النفطية من مقر الشركة في عدن إلى منطقة الكدحة غرب تعز وبسعر الشركة الرسمي، مقابل نسبة قدرها 70 ريال لكل لتر.

ونتيجة عبث السلطة المحلية بحصة المحافظة من المشتقات النفطية يتحمل المواطنون في محافظة تعز أعباء كثيرة ومنها على سبيل المثال ضياع مخصصات محطة توليد الطاقة الكهربائية.

ففي السابق كانت تصل حصة تعز بشكل معتاد ومنها ما يغطي احتياج الكهرباء الحكومية فيصل الكيلو الوات الواحد للمواطن بسعر معقول بالنسبة مقارنة بأسعار المحطات التجارية اليوم.

ولعل ذلك يفسر إصرار التجار على بقاء تعز سوق سوداء للمشتقات النفطية وبالتالي بقاء الكهرباء التجارية باهضه الثمن في صالحهم.